في تاريخ الساحرة المستديرة، طالما وقفت قوانين اللعبة سدًا منيعًا أمام التدخلات السياسية، إلا أن ما شهدته بطولة كأس العالم 2026 سيسجل كواحدة من أكثر السوابق قتامة في تاريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا).
أن يتدخل رئيس دولة بحجم الولايات المتحدة لإلغاء بطاقة حمراء مستحقة لأحد لاعبيه، فهذا تجاوز؛ لكن أن ينصاع “الفيفا” لهذا الضغط، فتلك هي الفضيحة الكبرى.
ورغم كل هذا العبث الإداري، جاء الرد قاسياً ومذلاً من ملعب المباراة، لتؤكد كرة القدم أنها لا تعترف إلا بمن يعطيها الجهد والعرق على المستطيل الأخضر.
تنص لوائح كرة القدم وقانون الانضباط الخاص بالفيفا بوضوح على أن البطاقة الحمراء المباشرة الناتجة عن اللعب العنيف تستوجب إيقافاً تلقائياً لمباراة واحدة على الأقل. وما حدث مع المهاجم الأمريكي “فولارين بالوغون” بعد تدخله الخطر في مباراة البوسنة والهرسك كان يستدعي تطبيق هذا القانون بصرامة، دون أي استثناءات.
للتحايل على هذا الإيقاف، استند الفيفا بشكل مريب إلى المادة 27 من لائحة الانضباط، التي تسمح “بتعليق تنفيذ العقوبة لفترة اختبار”، وهو تبرير واهٍ ومخرج لم يُستخدم لرفع عقوبة طرد مباشر في كأس العالم منذ عام 1962.
استجابة رئيس الفيفا “جياني إنفانتينو” لاتصالات الرئيس دونالد ترامب شكلت خرقاً صارخاً لاستقلالية الرياضة، وضربت عرض الحائط بمبدأ تكافؤ الفرص، مما أثار استهجان الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) والاتحاد البلجيكي اللذين اعتبرا القرار سابقة خطيرة تدمر مصداقية البطولة.
لم يتعامل الرئيس ترامب مع كأس العالم كبطولة رياضية تحكمها لوائح مستقلة، بل تعامل معها بمنطق الصفقات السياسية التي يمكن حسمها بمكالمة هاتفية أو بالضغط المباشر.
التدخل السياسي لحماية لاعب بحجة أنه “أفضل لاعبي الفريق” لا يعكس سوى تجاهل تام لطبيعة الرياضة وقوانينها، التي وُضعت لتعاقب المخطئ بغض النظر عن نجوميته، أو جنسيته، أو نفوذ دولته.
إلا أن الفضيحة الحقيقية لا تقع على عاتق ترامب الذي تصرف بعقلية رجل السياسة، بل تقع بالكامل على عاتق “الفيفا” الذي يفترض به أن يكون الحارس الأمين لقوانين اللعبة. رضوخ الفيفا لهذا المطلب أثبت هشاشة مؤسساته القضائية المزعومة أمام نفوذ الدولة المستضيفة، وفتح باباً مشرعاً للتدخلات الحكومية سيهدد مستقبل اللعبة بأكملها.
وكان رد كرة القدم أبت أن تُهان قوانينها دون رد اعتبار عاجل. فبعد كل هذه المعارك المكتبية، والبيانات، والاتصالات السياسية لضمان مشاركة “بالوغون”، دخل المنتخب الأمريكي مواجهة دور الـ 16 أمام بلجيكا مدججاً بكل أسلحته، وبدعم رئاسي غير مسبوق في تاريخ.
استقبلت شباك المنتخب الأمريكي أربعة أهداف كاملة، في انهيار تكتيكي وبدني أثبت عجز الفريق.
أثبتت المباراة أن القرارات الإدارية، وتدخلات الساسة، والتلاعب بلوانح الفيفا، لا يمكنها أن تمنح فريقاً تفوقاً على أرضية الملعب أمام خصم يمتلك الجودة الكروية الحقيقية.
إقصاء مستحق وضع حداً لرحلة صاحب الأرض، وجعل من التدخل الرئاسي مادة للسخرية للاذعة في الصحف العالمية، حيث أصبحت مشاركة اللاعب الموقوف عبئاً معنوياً أثقل كاهل المنتخب الأمريكي.
لقد خسر المنتخب الأمريكي مرتين في هذه البطولة؛ مرة عندما فقد احترامه الرياضي بقبوله تدخلًا سياسياً لإنقاذ لاعبه على حساب قوانين اللعبة، ومرة أخرى بسقوطه المدوّي أمام بلجيكا بفضيحة الأهداف الأربعة. ستبقى هذه الحادثة وصمة عار في جبين “الفيفا”، ودرساً قاسياً لكل من يعتقد أن عدالة الملعب يمكن أن تُصاغ في أروقة البيت الأبيض. كرة القدم تُنصف من يحترم قوانينها فقط، وقد كان العقاب البلجيكي أبلغ من أي قانون.
تبالكم يا ح