الشيخ دواليب
بين احترافية الصناعة وضيق الأفق التجاري .. يظل زي الهلال عصياً على التبخيس
💙 أثار البوست الأخير الصادر عن شركة “زين” سبورت موجة واسعة من الاستياء والسخرية في أوساط جماهير نادي الهلال وذلك إثر لجوء الشركة إلى تبخيس قيمة التعاقدات مع البراندات العالمية ووصف أطقمها بـ “التافهة” و”المكلفة دون داعٍ”، في محاولة مكشوفة لاستعطاف المستهلك والترويج لبدائل تجارية محلية منخفضة التكلفة.
🤍 هذا الطرح لا يعكس سوى قصورٍ بيّن في استيعاب مفاهيم صناعة الاستثمار الرياضي الحديث، ومحاولة لتسوية الفوارق التقنية الشاسعة بين التصنيع الرياضي المتخصص وبين مجرد “التجارة والوساطة الاستيرادية“.
💙 الهلال وطوال مسيرته التاريخية، لم يكن زيه مجرد نسيج يُرتدى، بل عنواناً للمكانة والهيبة ، لذا ظل النادي حريصاً على الارتباط بالبيوت الرياضية الإيطالية والإنجليزية الكبرى.
🤍 وحين خطا خطوته الرائدة بالشراكة مع “ماكرون” (Macron) الإيطالية، قاد قطاع التقنية بالنادي نقلة نوعية عبر ابتكار هويات بصرية مخصصة تعبر عن إرث النادي، لتنفذها واحدة من أعرق دور الملابس الرياضية في أوروبا بأحدث معايير الأداء والتهوية وخفة الوزن (Player Issue)، قبل أن يؤسس النادي متجره الإلكتروني لتنظيم التوزيع والبيع.
🤍 من حق أي نادٍ منافس كالمريخ أن يتبنى النموذج التعاقدي الذي يلائم ميزانياته عبر إسناد ملفه لشركات محلية تدير عملياتها عبر وسطاء ومصانع تجارية في الصين لضبط الكلفة، فهذا شأن يخص إدارته وجماهيره.
💙 لكن المغالطة تكمن في محاولة تصوير هذه الممارسة كمعيار للجودة والتفوق على خطوط الإنتاج العالمية المتخصصة مثل “ماكرون” أو “أديداس” أو “نايكي“.
🤍 فثمة بون شاسع بين مصانع عالمية تمتلك مراكز أبحاث متطورة لفيزياء الأقمشة الرياضية ومقاومة التعرق، وبين مكاتب تجارية تكتفي بفرز عينات الأقمشة بناءً على حسابات هامش الربح والتكلفة.
💙 إن الأزمة الحقيقية للشركات الوسيطة التي تنال حقوق التوزيع لا تكمن في التحديات الاقتصادية العامة للبلاد، بل في ضيق الأفق الاستثماري؛ حيث تختزل هذه الشركات الاستثمار الرياضي بأكمله في “أطقم المباريات”، متجاهلة التوسع في منتجات العلامة التجارية (Merchandising) التي تعزز مداخيل النادي وترضي تطلعات المشجع؛ مثل: الشالات، الحقائب، أغطية الهواتف، الأدوات المدرسية، والإكسسوارات الجماهيرية المتنوعة.
🤍 وحين عجزت الشركة عن استيعاب نموذج “ماكرون” الاحترافي وتقديم حلول تعاقدية مرنة توازن بين النسخ الاقتصادية الموجهة للجمهور (Fan Version) والنسخ الاحترافية الخاصة باللاعبين، اختارت الطريق الأسهل: الهجوم غير المبرر على المعايير العالمية.
💙 إن استدعاء تاريخ الهلال بدءاً من ارتباطه بأرقى الموردين وحتى المبادرات النوعية لروابطه الخارجية كرواد الهلال في السعودية إبان حقبة الأرباب صلاح إدريس وغيرهم يؤكد حقيقة واحدة: الهلال لا يتنازل عن معايير الريادة، وقيمته التسويقية تستحق أن تقترن بأعلى مواصفات الصناعة لا بأدنى أسعار السوق.
🤍 يجب ان يرتقي المستثمر المحلي ليفهم متطلبات التسويق الرياضي العصري، بدلاً من اللجوء لخطاب التجهيل والتبخيس؛ فالريادة تُبنى باحترام المعايير الاحترافية، لا بمحاولة هدمها.
💙 التجارة في الملابس الرياضية شي والتصنيع شي آخر خالص فيجب على الجميع عدم الخلط بينهما وجمهور الهلال ليس هو جمهور المريخ لذلك وجب الحذر .
هلال المجد واستدامة المجد
قراءة في المشهد الإداري، والرياضة كدرع مجتمعي وصناعة للمستقبل
أسفرت الجمعية العمومية لنادي الهلال عن مشهد إداري يستحق التوقف عنده ملياً، حيث حسمت مجموعة “هلال المجد” السباق الانتخابي بفارق شاسع.
هذا الفوز لم يكن وليد الصدفة، بل هو انتصار لـ”التنظيم المؤسسي” على حساب “العاطفة الجماهيرية”.
لقد أدركت هذه المجموعة أن العضوية هي السلاح القانوني والشرعي الوحيد لاعتلاء سدة الحكم، فعملت وفق آليات تنظيمية ديمقراطية، في حين راهن الآخرون على وهم الدعم الجماهيري العريض، متناسين أن الجماهير المحبة للكيان – على كثرتها – ظلت لعقود طويلة بعيدة عن دائرة التأثير الإداري وصنع القرار.
الانتماء السلبي وتأثير العضوية
ومن المفارقات المؤسفة في علم الاجتماع الرياضي لدينا، ظاهرة “الانتماء السلبي”. فملايين المشجعين، بما في ذلك النخب المستنيرة من طلاب جامعات وموظفين ورجال أعمال، يكتفون بالدعم العاطفي أو المالي المباشر عبر تذاكر المباريات، متجاهلين أهمية “العضوية” كأداة للتمكين.
وفي هذا المناخ، تفوقت مجموعة “هلال المجد” بقيادة السيد هشام السوباط، لأنها استندت إلى كتلة ناخبة موجهة، منظمة، ومدربة على العمل المؤسسي.
هذا النهج يضمن انسجاماً إدارياً مطلوباً، حيث يدرك كل عضو أن قوته مستمدة من تماسك التنظيم، وليس من شعبوية المدرجات التي تفقد تأثيرها في صناديق الاقتراع.
استدامة الهلال بعد المرحلة الحالية
ورغم هذا الاستقرار المرحلي الذي يؤمن مسيرة الهلال حتى عام 2030، تبرز مخاوف مشروعة حول مستقبل النادي لمرحلة ما بعد إدارة السوباط ومجموعة “هلال المجد”.
لقد تجاوزت كرة القدم في العصر الحديث مفهوم “الهواية” لتتحول إلى “صناعة” متكاملة الأركان، ترتكز على التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار، والاستدامة المالية.
إن واقع الهلال اليوم، والذي يعتمد بشكل شبه كلي على الدعم المالي لشخصين أو ثلاثة، يمثل خللاً هيكلياً يتعارض مع مبادئ الحوكمة الرياضية واستدامة المؤسسات.
الرياضة كدرع مجتمعي
وعلى صعيد أوسع، يواجه المشهد الرياضي والمجتمعي كارثة حقيقية.
فبسبب تداعيات الحرب، انهارت البنية التحتية للرياضة الأهلية، واندثرت أندية الروابط والناشئين، وتلاشت أندية الدرجات المختلفة التي تعرضت دورها للنهب والخراب.
علمياً ونفسياً، تُعد مرحلة الشباب والمراهقة فترة حرجة تتطلب تفريغاً صحياً للطاقات وإثباتاً للذات.
في الماضي، كانت الأندية في الأحياء تعمل كـ”حواضن للتنشئة الاجتماعية”، تجمع الشباب رياضياً وثقافياً واجتماعياً.
أما اليوم، ومع غياب هذا الدور، نشأ “فراغ نفسي” مخيف، كان من الطبيعي – وفقاً لنظريات السلوك – أن تملأه بدائل سلبية.
ولهذا، نشهد تفشياً مقلقاً لآفة المخدرات، وتنامياً لثقافة السهر العبثي في تجمعات “الشيشة”، كنتيجة مباشرة لانهيار المنظومة الرياضية التي كانت تشكل حائط الصد الأول لحماية الشباب.
نحن أمام انهيار مجتمعي يستدعي استنفاراً عاجلاً. وفي ظل تضرر القطاع الخاص ورجال الأعمال من آثار الحرب، بات تدخل الدولة والشركات الكبرى ضرورة حتمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
الهلال ودوره في التعافي المجتمعي
وهنا، نتوجه برسالة ونداء لمجلس إدارة الهلال (مجموعة هلال المجد): يجب ألا يقتصر طموح النادي على الاعتماد على المحترفين الأجانب لتحقيق الانتصارات الوقتية.
الهلال، بوزنه التاريخي، مطالب بلعب دور المحفز للتعافي المجتمعي.
إن تأسيس “أكاديمية الهلال للبراعم والناشئين” – ولو بأقل الإمكانات المتاحة – لم يعد رفاهية رياضية، بل هو “مشروع إنقاذ نفسي واجتماعي” لتجميع الشباب وتوفير ملاذ آمن لهم.
-
80