السر جميل
يمثل الساحر السوداني عبد الفتاح موسى طليعة النجوم الذين حفروا أسماءهم بماء الذهب في ذاكرة المستطيل الأخضر السعودي منتصف القرن الماضي. وقد حظيت رحلته الكروية باهتمام كبير عبر تاريخ الكرة السعودية في صفحات الجيل الذهبي وأوائل السفراء الكرويين بالملعب السعودي.
فعندما كانت الرياضة السعودية تضع لبناتها الأولى وتشق طريقها نحو التأسيس والهيكلة مطلع خمسينيات القرن الماضي، سعت أعرق أندية جدة والحجاز لاستقطاب الفرسان الاستثنائيين لرفع قيمة المنافسة وصقل مهارات فرقها. ولم تجد تلك الأندية ملاذا أروع من الملاعب السودانية التي كانت تعيش عز عطائها وتفيض بالخبرات من قلعة الهلال السوداني. وفي قلب ذلك الفوج الكروي الذي عبر مياه البحر الأحمر ليصنع تاريخا لا ينسى، بزغ نجم الفتى الأسمر عبد الفتاح موسى.
انطلقت حكاية هذا الموهوب من ملاعب الخرطوم متسلحا بسحر الكرة الهلالية وأناقتها التكتيكية، وسرعان ما خطفت مهاراته العالية وبنيته القوية ورؤيته الثاقبة للملعب أفئدة كشافي الأندية السعودية. وفور وصوله للبلاد مع إشراقة الخمسينيات، ارتدى قميص عميد الأندية السعودية نادي الاتحاد بجدة، الذي كان يخوض حينها حربا كروية ضروسا لاستعادة بريقه وسيادته على عرش الكرة الغربية.
ومع الكتيبة الاتحادية، فجر عبد الفتاح موسى طاقاته الكروية وقدم عروضا كروية أسرت العقول وحبست أنفاس المتابعين، حيث عرف بدهاء تكتيكي فريد وتنوع مرن في شغل الألعاب، ليكون القائد الميداني وحجر الزاوية في التشكيلة الاتحادية، ومحط ثناء مدوني التاريخ الرياضي الذين وثقوا تلك الحقبة المفصلية.
ولم تقف رحلة النجم السوداني عند محطة واحدة، بل جاءت مسيرته حافلة بالتنقل المغامر والتنقل بين الشعارات، مواكبة لروح الاحتراف التلقائي وشغف الهواية الذي ساد تلك الأزمنة. فلعب لصالح نادي الهلال البحري، أحد أعمدة الكرة التليدة في جدة آنذاك، وسطر معهم مواجهات ممتعة أشعلت وتيرة التنافس وأثرت الحراك الرياضي في أرجاء المملكة.
وقد أكسبه هذا التنقل بين الأقطاب حب الجماهير على اختلاف ميولها واحترام الشارع الرياضي بأكمله، إذ شوهد دائما كفنان يبحث عن إمتاع المتابعين وتقديم العصارة الفنية للقميص الذي يدافع عنه.
وتناول المؤرخون عبد الفتاح موسى كرمز للرياضي المنضبط الذي نقل فكره التكتيكي وخبرته العريضة إلى الشبان السعوديين. وجسدت التغطيات التاريخية أن عطاء موسى ورفاقه لم يكن مجرد مطاردة للمدورة، بل كان رسالة سامية لنشر الانضباط وتطوير المفاهيم الكروية داخل الميدان وخارجه، وهو ما عبد الطريق مستقبلا لولادة المسابقات الرسمية وتدشين الاتحاد السعودي لكرة القدم.
وسيظل عبد الفتاح موسى أيقونة حاضرة في الذاكرة الكروية وإن غاب اسمه عن أذهان الجيل الحالي، فهو اسم راسخ في دفاتر المؤرخين كأحد الأركان الصلبة التي قامت عليها ناطحة السحاب الكروية في المملكة. إن محطاته المتنوعة بين الاتحاد والهلال البحري تجسد وثيقة وفاء رياضية ترمز للروابط التاريخية الممتدة بين أمجاد الكرة السودانية والبدايات الأولى للرياضة السعودية، وهنا نكتب للتاريخ الهلال السوداني قدم السبق في تطوير الكرة بالمملكة التي تعيش اليوم أزهى أوقاتها العالمية.