ما بين الهلال والريال ارتوينا من أفراح الانتصارات
هناك أشياء نختارها في حياتنا، وأشياء تختارنا قبل أن نعرف معنى الاختيار، وكرة القدم واحدة من تلك الحكايات التي تبدأ في الصغر، ثم تكبر معنا، وتسكن الذاكرة والوجدان، وبالنسبة لي، فلكرة القدم قصص وروايات، حيث أدمنت لعبها وأنا طفل وشاب، وكنت قاب قوسين أو أدنى من اللعب بأحد فرق المقدمة في السودان، وصرت متابعا لصيقا لها بعد أن بعدت عن ممارستها بحكم الانشغال وترتيبات الوظيفة التي حكمت علينا بالاغتراب لسنين عددا.
وهنا تكمن الحكاية فلقد عشقت ومنذ البدايات اللونين الأزق والأبيض، وتبتلت في محراب نادي الهلال السوداني الذي أعده أحد أعظم الأندية في العالم، وليقودني بعد ذلك عشق اللون الأبيض الى فريق ريال مدريد “فريق القرن”، حيث أصبح هذان العملاقان ليسا مجرد فريقين أشجعهما؛ ولكنهما عشق قديم رافقني منذ الطفولة، ولكل منهما حكاية ومذاق خاص.
الهلال حكاية وكما ذكرت بدأت مع سنوات العمر الأولى، بانتماء لا يحتاج إلى تبرير، وعشق لا تحكمه الظروف ولا تبدّله النتائج، فالهلال في وجداننا ما دمنا أحياء، وهو أكبر من مباراة وأبعد من بطولة؛ إنه جزء من حكاياتنا السودانية، من مجالسنا وضحكاتنا ونقاشاتنا التي لا تنتهي، وما إن يُذكر اسمه حتى يتحول المجلس إلى استديو تحليل، ويصبح كل واحد فينا مدرباً وخبيراً، يعرف من كان يجب أن يلعب، ومن كان ينبغي أن يجلس على دكة البدلاء!
أما ريال مدريد، فقد كان له هو الآخر مكانه في القلب منذ الصغر، فهو “الملكيٌّ” يعرف كيف يصنع الفرح، وكيف يجعل المستحيل ممكناً، حتى إنك قد تفقد الأمل في لحظة، ثم تعود لتقفز من مقعدك مع هدف يقلب كل الحسابات، ومع الريال، تعلّمنا ألا نستعجل الحكم على المباريات، فالحكاية قد تبدأ من جديد قبل صافرة النهاية بثوانٍ!
وهكذا مضت السنوات، والهلال في القلب والريال في القلب، دون أن أشعر يوماً أن عشق أحدهما ينتقص من الآخر، فلكل منهما مكانته وذكرياته، ولكل منهما طريقته في إدخال السرور إلى النفس، وإذا فاز الهلال، كانت الفرحة سودانية خالصة، وإذا انتصر الريال، وجدنا أنفسنا نحتفل بسحر الكرة وجمالها.
والحقيقة أن تشجيع الفريقين قد يضعك أحياناً في مواقف طريفة؛ فإذا تعارضت المواعيد، تبدأ الحسابات، وإذا انتصر الاثنان، فلا تسأل عن المزاج! أما إذا تعثرا معاً، فالأفضل إغلاق ملف التحليل مؤقتاً وتأجيل النقاش إلى إشعار آخر!
لكن أجمل ما في هذه الحكاية أن العشق القديم لا يحتاج إلى مناسبة كي يتجدد، ويكفي أن ترى الهلال يدخل الملعب حتى يعود إليك شيء من ذكريات الصغر، وأن تشاهد الريال في ليلة أوروبية كبيرة حتى تستعيد تلك اللهفة التي لا يطفئها العمر.
وفي ليلة الأحد 25/10/2026م، كنت على موعد مع ابداعات الفريقين، بدأها الهلال بفوز جميل ومريح على فريق بنة الاثيوبي ليحجز على إثره موقعه المعتاد مع كبار القارة في دوري المجموعات ببطولة دوري الأندية الابطال بفوزين مستحقين ذهابا وإيابا، ويزرع في قلوب السودانيين على اختلاف مشاربهم الفرح الذي عزَ علينا في زمن الحروب واللجوء والتشرد، وليصبح نافذة الأمل التي نطل من خلالها على إمكانية احتضان بطولة تمنعت علينا كثيرا، وجمال في زمن كثر فيه القبح.
وجاء بعدها فريق الريال ليدخل البهجة في القلوب ويكمل الفرحة التي بدأت بانتصار مستحق على فريق برشلونة، بعد أن تجرأ عليه الزمان خلال السنتين الأخيرتين وابتعد من منصات التتويج التي عرفته وأدمنها، ليكمل سلسلة من الانتصارات التي جعلته في وضع مريح في دوري الابطال بالقارة العجوز، وقربته من بطولة الدوري الاسباني بإذن الله.
لهذا أقولها من القلب: لم يكن الهلال مرحلة عابرة في حياتي، ولم يكن الريال إعجاباً صنعته البطولات؛ كلاهما عشق بدأ منذ الصغر، وكبر معي، وما زال يمنحني أسباباً جديدة للفرح.
وما بين الهلال والريال ارتوينا من عصائر الأفراح؛ هلالٌ عشقناه بالوجدان، وريالٌ أحببناه بسحره، وبين الاثنين بقيت كرة القدم واحدة من أجمل حكايات العمر.
!! حين تتحول فرحة الهدف إلى ورطة
كانت كرة القدم عبارة عن هواية يمارسها البعض من أجل الترفيه عن أنفسهم، ولكنها بمرور الوقت أصبحت عبارة عن منظومة صناعية كبرى “إن جاز تشبيهها بذلك”، وبتنا في كل يوم نشهد مزيدا من القوانين والضوابط التي تحكمها، وباتت مهنة تدر ملايين الدولارات لمن يجيدها، وللأندية، بل وحتى للدول سواء كان ذلك من خلال استضافة فعالياتها أو من خلال الفوز بالجوائز التي ترصد من قبل الاتحاد الدولي “الفيفا”، وفي إطار ضبط اللعبة وتصرفات اللاعبين جاء في القوانين الجديدة معاقبة اللاعب الذي يحتفل بخلع قميصه بعد تسجيل هدفا بالكرت الأصفر. ان تسجيل الهدف لحظة استثنائية في كرة القدم، ومن الطبيعي أن ينفجر اللاعب فرحا عندما تهتز الشباك، لكن بعض مظاهر الاحتفال تجاوزت حدود التعبير عن الفرح إلى سلوك قد يكلّف الفريق كثيرا، فقوانين اللعبة أصبحت واضحة للجميع
قد يبدو الأمر في لحظته مجرد احتفال عابر أو لحظة عناد من اللاعب نفسه، خصوصا عندما يأتي الهدف في مباراة حاسمة، لكن كرة القدم لا تُدار بالعاطفة وحدها، فاللاعب مطالب بأن يدرك أن البطاقة التي يحصل عليها بسبب احتفاله قد تتحول لاحقا إلى مشكلة لفريقه، خصوصا إذا كان يحمل بطاقة سابقة، أو إذا كانت المباراة في مراحلها الحاسمة، أو مرتبطة بإمكانية دخولها في حسابات التأهل لمراحل قادمة من خلال اللجوء الى مسألة “اللعب النظيف”. وتقدم تجربة منتخب سلطنة عُمان في مباراة الأمس القريب ضد الكويت مثالا واضحا على أهمية التعامل مع هذه المسألة بقدر أكبر من الوعي والانضباط، فقد كادت السلطنة أن تدفع ثمن هذه التفاصيل غاليا، وأن تجد نفسها في موقف صعب في سباق التأهل إلى نصف النهائي بسبب تبعات مرتبطة بالبطاقات والانضباط، في وقت تكون فيه كل بطاقة وكل قرار داخل الملعب مؤثرا في مصير المنتخب
والأمثلة كثيرة على تجاوزات اللاعبين منها على سبيل المثال خلع اللاعب المصري محمد صلاح لقميصة بعد احرازة الهدف الثالث في فريق غلاطة سراي التركي، وواقعة الكاميروني فينسنت أبو بكر الشهيرة في كأس العالم قطر 2022، عندما سجل هدفا قاتلا في مرمى البرازيل، وخلع قميصه احتفالا بالهدف، ليحصل على البطاقة الصفراء، ليغادر الملعب مطرودا بعد أن كان قد تلقى كرتا أصفر قبل ذلك، لتصبح الواقعة مثالا وضحا على الكيفية التي يمكن أن تدخل بها الانفعالات والبطاقات في تفاصيل مباراة كبيرة
المشكلة هنا ليست في الاحتفال نفسه، فالفرحة حق مشروع للاعب والجماهير، وإضحاً في اختيار الطريقة المناسبة للتعبير عنها، هناك عشرات الطرق التي يستطيع اللاعب من خلالها الاحتفال بهدفه دون أن يعرّض نفسه أو فريقه للعقوبة، فلماذا المخاطرة ببطاقة صفراء من أجل ثوانٍ من الاحتفال، بينما قد يحتاج الفريق أو المنتخب بعد دقائق اللاعب للدفاع عن تقدمه أو لتحقيق هدف آخر؟ أن الأمر يحتاج أيضا إلى دور أكبر من الأجهزة الفنية والإدارية، فالمدربون مطالبون بتذكير اللاعبين قبل المباريات بأهمية الانضباط، خصوصا في البطولات القصيرة التي قد تحسمها بطاقة واحدة أو تفصيل صغير، واللاعب المحترف لا يُقاس فقط بقدرته على تسجيل الأهداف، وإنما كذلك بقدرته على إدارة مشاعره وقراراته في اللحظات الحاسمة
وتجربة سلطنة عُمان، وواقعة أبو بكر في مونديال قطر، تقدمان درسا واحدا: كرة القدم لا تُلعب بالمهارة فقط، وإنما بالتركيز والانضباط وإدارة التفاصيل الصغيرة، وقد يكون الهدف سببا في الاقتراب من التأهل، لكن بطاقة غير ضرورية قد تعيد الفريق خطوات إلى الوراء
فاللاعب الذي يعرف قيمة القميص الذي يرتديه يجب أن يعرف أيضا متى يفرح وكيف يفرح، وفي المباريات الكبيرة، قد تكون الثواني التي تلي الهدف مهمة بقدر الثواني التي سبقته
لذلك، فإن المطلوب ليس قتل فرحة اللاعبين أو تحويل كرة القدم إلى لعبة بلا مشاعر، وإنما الوصول إلى معادلة بسيطة: افرح بالهدف، احتفل مع زملائك وجماهيرك، لكن لا تمنح الحكم بطاقة مجانية قد يدفع فريقك ثمنها لاحقا، ويجب أن نضع في الحسبان بأن الاحتفال الذكي لا يقل أهمية أحيانا من الهدف الذي بسببه احتفلت