بصمة زرقاء
د. وسام الفاضل
**الهلال يربح النتيجة… ويخسر الإقناع**!
تمكن الهلال من تجاوز إيغل نوار البورندي
ذهابًا وإيابًا، وحقق المطلوب على مستوى النتيجة، لكن من يكتفي بالعبور ويظن أن كل
شيء على ما يرام، فهو يقرأ المشهد بسطحية لا تليق بحجم اسم الهلال. ما حدث داخل
الملعب لا يعكس فريقًا في مستوى الطموح، ولا ينسجم مع هوية نادٍ يُفترض أنه يدخل
المنافسات بشخصية أقوى وحضور أكبر.
المباراة الأولى خرجت من دائرة التقييم الحقيقي
بسبب عدم نقلها تلفزيونيًا، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها فنيًا في بناء حكم
دقيق. أما مباراة الإياب، فقد جاءت كاشفة بلا أي غطاء: فريق بطيء في التحول، مفكك
في فترات طويلة، ويفتقد للحدة والضغط والشخصية داخل الملعب. الفوز تحقق، لكن ليس
عبر أداء مقنع، بل عبر لحظات محدودة ورغبة في إنهاء المهمة بأقل مجهود ممكن.
والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن أغلب
اللاعبين كانوا بعيدين تمامًا عن مستواهم. أداء جماعي متواضع، غياب واضح للتركيز،
وتذبذب في الانسجام في أكثر من خط. هذا ليس شكل فريق ينافس، بل فريق ما زال يبحث
عن هويته داخل الملعب. صحيح أن البدايات قد تحمل بعض الارتباك، لكن ما ظهر يتجاوز
حدود “التدرج الطبيعي” إلى حالة تحتاج مراجعة جادة.
وسط هذا المشهد الباهت، ظهر محمد سالم، ابن
موريتانيا الحبيبة، كالرجل الذي أنقذ الصورة هجوميًا. سجل ذهابًا وإيابًا، وكان
الأخطر والأكثر حضورًا في كل ظهور له. وفي مباراة الإياب تحديدًا، كان اللاعب رقم
واحد في الملعب بلا نقاش… حضور، حسم، وشخصية هجومية افتقدها الفريق بالكامل. هذا
لاعب لا ينتظر الظروف، بل يفرض نفسه عليها.
وفي المقابل، لا بد من مواجهة الواقع كما هو:
محمد عبد الرحمن “الغربال” يمر بمرحلة تراجع حادة لا يمكن تبريرها. غياب التأثير،
انعدام الخطورة، وفقدان الحضور الهجومي الذي عُرف به سابقًا، إضافة إلى إضاعته
لفرص سهلة كانت كفيلة بتغيير شكل المباراة ورفع حصيلة الفريق بشكل أكبر. هذه ليست
مجرد فترة عابرة، بل حالة تستدعي وقفة واضحة. وفي مثل هذا الوضع، يصبح الجلوس على
دكة البدلاء خيارًا منطقيًا لإعادة التوازن، لا تقليلًا من الاسم، بل محاولة
لإنقاذ اللاعب قبل أن تتعمق الأزمة أكثر.
ورغم هذا النقد الصريح، تبقى الثقة في المدرب
جوزيف زينبارو وطاقمه قائمة. لكن هذه الثقة ليست مطلقة، بل مرتبطة برد فعل سريع،
وتطور ملموس في شكل الفريق، لأن اسم الهلال لا يمنح وقتًا مفتوحًا للتجريب أو
البحث الطويل عن الهوية.
ولا يمكن إغفال الحقيقة الأهم: جمهور الهلال هو
اللاعب رقم واحد. لا يشارك بالقدم، لكنه يصنع الفارق بالحضور والدعم والضغط
المستمر. هو العنصر الثابت في كل المعادلات، والذي يمنح الفريق روحه حتى في أصعب
اللحظات.
في النهاية، الهلال تأهل… لكن الرسالة واضحة
بلا أي لبس: بهذا المستوى لا يمكن الذهاب بعيدًا. النتيجة تحققت، لكن الإقناع غاب.
وبين تألق فردي من محمد سالم، وتراجع واضح للغربال، وأداء جماعي غير مكتمل، يقف
الهلال أمام حقيقة واحدة: التصحيح يجب أن يبدأ الآن، لأن القادم لن ينتظر أحدًا.
الهلال لا يحتاج رئيساً ثرياً… بل مؤسسة باقية
مع اقتراب انتخابات الجمعية العمومية لنادي الهلال السوداني، تتجه الأنظار إلى واحدة من أهم المحطات في تاريخ النادي، ليس لأنها ستفرز رئيساً جديداً أو مجلس إدارة جديداً، وإنما لأنها ستحدد شكل الهلال في السنوات المقبلة، وهل سيواصل السير نحو العمل المؤسسي، أم سيظل أسيراً لدورات انتخابية تتغير فيها الأسماء بينما تبقى المشكلات كما هي.
المشهد الانتخابي يضم أسماء معروفة يتقدمها الرئيس الحالي هشام السوباط، إلى جانب أشرف سيد أحمد الكاردينال، فيما يطل اسم محمد إبراهيم العليقي حاضراً في النقاشات الهلالية، إلى جانب عدد من الشخصيات الأخرى التي تطمح لنيل ثقة الجمعية العمومية.
لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه كل عضو في الجمعية العمومية على نفسه ليس: من هو الأكثر شهرة؟ ولا من يملك المال الأكثر؟ بل من يمتلك مشروعاً واضحاً يستطيع أن ينقل الهلال إلى مرحلة جديدة، تحفظ له استقراره وتضمن استمرارية نجاحه.
الهلال لا يحتاج إلى مجلس يبدأ من الصفر مع كل دورة انتخابية، ولا إلى إدارة تهدم ما أنجزته الإدارة السابقة فقط لأنها تختلف معها. النادي بحاجة إلى ثقافة الاستمرارية، وإلى البناء على النجاحات، وتصحيح الأخطاء دون هدم المؤسسة.
لقد أثبتت كرة القدم الحديثة أن النجاح لا تصنعه الأموال وحدها، ولا التصريحات الرنانة، وإنما تصنعه الإدارة المحترفة، والتخطيط طويل المدى، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب. أما الوعود الكبيرة التي تسبق الانتخابات، فقد ملّتها الجماهير، لأنها كثيراً ما تبخرت بمجرد انتهاء المعركة الانتخابية.
ومن بين أهم الملفات التي يجب أن تكون على رأس أولويات المجلس القادم، مشروع تحويل الهلال إلى شركة مساهمة، أسوة بالأندية الكبرى والمحترفة التي أدركت أن النجاح المستدام لا يتحقق إلا بوجود كيان اقتصادي قوي يعمل وفق أسس الحوكمة والإدارة الحديثة.
فالهلال أكبر من أن يبقى معتمداً على جيوب الأفراد، مهما بلغت إمكاناتهم أو صدقت نياتهم، لأن مستقبل الأندية العريقة لا يُبنى بالأموال الشخصية، وإنما بالاستثمار، والمؤسسات، وتعدد مصادر الدخل.
لقد آن الأوان لأن يتحول الهلال إلى مؤسسة رياضية واقتصادية متكاملة، تملك القدرة على جذب المستثمرين، وتنمية موارده، وتمنح جماهيره الثقة في أن مستقبل النادي لا يتوقف على وجود شخص بعينه أو رحيله.
وفي الهلال اليوم شخصيات شبابية تمتلك الفكر، والعلم، والرؤية، وتواكب أحدث ما وصلت إليه الإدارة الرياضية في العالم، لكنها لا تملك الأموال التي تمكنها من منافسة أصحاب الثروات في الانتخابات. فهل يُعقل أن يُحرم النادي من هذه العقول فقط لأنها لا تستطيع تمويل الحملات الانتخابية أو الإنفاق من مالها الخاص؟
إن الإدارة الناجحة لا تُقاس بحجم الثروة، وإنما بحجم الفكرة. والمال يمكن أن يكون داعماً للمؤسسة، لكنه لا يجب أن يكون شرطاً للوصول إلى قيادتها.
فإذا ظل الهلال رهيناً لأصحاب الأموال، فإنه سيظل يدور في الحلقة نفسها، أما إذا أصبح مؤسسة حقيقية، فإن الباب سيفتح أمام كل صاحب كفاءة، وسيصبح البقاء للأفضل إدارةً لا للأكثر إنفاقاً.
وعلى الجمعية العمومية أن تدرك أن مسؤوليتها لا تنتهي عند وضع الورقة في صندوق الاقتراع، بل تبدأ من تلك اللحظة. فالاختيار العاطفي، أو الانحياز للأشخاص، أو التصويت بدافع العلاقات، قد يكلف الهلال سنوات من التراجع، بينما الاختيار المبني على الكفاءة والبرنامج قد يضع النادي على طريق مختلف تماماً.
الهلال أكبر من أي رئيس، وأكبر من أي مجلس، وأكبر من أي تيار. ومن يجلس على كرسي القيادة عليه أن يدرك أن الجماهير لن تحاسبه على الوعود، بل على ما يحققه من عمل، وعلى قدرته في بناء مؤسسة لا تتأثر برحيل الأشخاص.
إنها فرصة تاريخية أمام الجمعية العمومية لتكتب صفحة جديدة في تاريخ الهلال. صفحة يكون عنوانها العمل المؤسسي، والاستثمار، والحوكمة، لا الصراعات، ولا الشخصنة، ولا انتظار رجل واحد لينقذ النادي.
فالأندية الكبيرة لا يصنعها الأفراد، وإنما تصنعها المؤسسات… والهلال يستحق أن يكون مؤسسة باقية، لا أن يبقى رهينة لرئيس ثري.
-
74
-
84