د. الشيخ دواليب
هلال المجد واستدامة المجد
قراءة في المشهد الإداري، والرياضة كدرع مجتمعي وصناعة للمستقبل
أسفرت الجمعية العمومية لنادي الهلال عن مشهد إداري يستحق التوقف عنده ملياً، حيث حسمت مجموعة “هلال المجد” السباق الانتخابي بفارق شاسع.
هذا الفوز لم يكن وليد الصدفة، بل هو انتصار لـ”التنظيم المؤسسي” على حساب “العاطفة الجماهيرية”.
لقد أدركت هذه المجموعة أن العضوية هي السلاح القانوني والشرعي الوحيد لاعتلاء سدة الحكم، فعملت وفق آليات تنظيمية ديمقراطية، في حين راهن الآخرون على وهم الدعم الجماهيري العريض، متناسين أن الجماهير المحبة للكيان – على كثرتها – ظلت لعقود طويلة بعيدة عن دائرة التأثير الإداري وصنع القرار.
الانتماء السلبي وتأثير العضوية
ومن المفارقات المؤسفة في علم الاجتماع الرياضي لدينا، ظاهرة “الانتماء السلبي”. فملايين المشجعين، بما في ذلك النخب المستنيرة من طلاب جامعات وموظفين ورجال أعمال، يكتفون بالدعم العاطفي أو المالي المباشر عبر تذاكر المباريات، متجاهلين أهمية “العضوية” كأداة للتمكين.
وفي هذا المناخ، تفوقت مجموعة “هلال المجد” بقيادة السيد هشام السوباط، لأنها استندت إلى كتلة ناخبة موجهة، منظمة، ومدربة على العمل المؤسسي.
هذا النهج يضمن انسجاماً إدارياً مطلوباً، حيث يدرك كل عضو أن قوته مستمدة من تماسك التنظيم، وليس من شعبوية المدرجات التي تفقد تأثيرها في صناديق الاقتراع.
استدامة الهلال بعد المرحلة الحالية
ورغم هذا الاستقرار المرحلي الذي يؤمن مسيرة الهلال حتى عام 2030، تبرز مخاوف مشروعة حول مستقبل النادي لمرحلة ما بعد إدارة السوباط ومجموعة “هلال المجد”.
لقد تجاوزت كرة القدم في العصر الحديث مفهوم “الهواية” لتتحول إلى “صناعة” متكاملة الأركان، ترتكز على التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار، والاستدامة المالية.
إن واقع الهلال اليوم، والذي يعتمد بشكل شبه كلي على الدعم المالي لشخصين أو ثلاثة، يمثل خللاً هيكلياً يتعارض مع مبادئ الحوكمة الرياضية واستدامة المؤسسات.
الرياضة كدرع مجتمعي
وعلى صعيد أوسع، يواجه المشهد الرياضي والمجتمعي كارثة حقيقية.
فبسبب تداعيات الحرب، انهارت البنية التحتية للرياضة الأهلية، واندثرت أندية الروابط والناشئين، وتلاشت أندية الدرجات المختلفة التي تعرضت دورها للنهب والخراب.
علمياً ونفسياً، تُعد مرحلة الشباب والمراهقة فترة حرجة تتطلب تفريغاً صحياً للطاقات وإثباتاً للذات.
في الماضي، كانت الأندية في الأحياء تعمل كـ”حواضن للتنشئة الاجتماعية”، تجمع الشباب رياضياً وثقافياً واجتماعياً.
أما اليوم، ومع غياب هذا الدور، نشأ “فراغ نفسي” مخيف، كان من الطبيعي – وفقاً لنظريات السلوك – أن تملأه بدائل سلبية.
ولهذا، نشهد تفشياً مقلقاً لآفة المخدرات، وتنامياً لثقافة السهر العبثي في تجمعات “الشيشة”، كنتيجة مباشرة لانهيار المنظومة الرياضية التي كانت تشكل حائط الصد الأول لحماية الشباب.
نحن أمام انهيار مجتمعي يستدعي استنفاراً عاجلاً. وفي ظل تضرر القطاع الخاص ورجال الأعمال من آثار الحرب، بات تدخل الدولة والشركات الكبرى ضرورة حتمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
الهلال ودوره في التعافي المجتمعي
وهنا، نتوجه برسالة ونداء لمجلس إدارة الهلال (مجموعة هلال المجد): يجب ألا يقتصر طموح النادي على الاعتماد على المحترفين الأجانب لتحقيق الانتصارات الوقتية.
الهلال، بوزنه التاريخي، مطالب بلعب دور المحفز للتعافي المجتمعي.
إن تأسيس “أكاديمية الهلال للبراعم والناشئين” – ولو بأقل الإمكانات المتاحة – لم يعد رفاهية رياضية، بل هو “مشروع إنقاذ نفسي واجتماعي” لتجميع الشباب وتوفير ملاذ آمن لهم.
-
61