من تكديس المحترفين
إلى صناعة فريق بطل
رؤية لإعادة بناء منظومة الاختيار والاستقطاب بما يتناسب مع طموح الهلال في أفريقيا وكأس العالم للأندية
مباراتي الأهلي طرابلس.. تشخيص يجب البناء عليه
مباراتا الهلال الوديتان أمام الأهلي طرابلس لم تكونا مجرد محطتين إعداديتين، بل قدمتا صورة أوضح عن حاجة الفريق الحقيقية في سوق الانتقالات. فقد كشفتا الخانات التي تحتاج إلى تدعيم، والأهم أنهما أكدتا أن المطلوب ليس مجرد لاعب جيد، وإنما لاعب بمواصفات محددة تتوافق مع طريقة لعب المدرب الألماني زينباور.
وبعد فترة كافية من العمل والمباريات، أصبح زينباور أكثر قدرة على تشخيص مكامن القوة والضعف وتحديد نوعية الحلول التي يحتاج إليها. لذلك فإن تمسكه بمطالبه وضغطه من أجل توفير العناصر التي يراها ضرورية يجب أن يُنظر إليه بإيجابية؛ فالمدرب مسؤول عن النتائج، ومن الطبيعي أن يكون صاحب الصوت الفني الأهم في تحديد مواصفات اللاعبين الذين سيعمل معهم. وهنا تحديدًا يجب أن تتغير فلسفة الهلال في سوق الانتقالات.
19 محترفًا في الكشف الأفريقي.. ولكن أين الإضافة؟
يضم كشف الهلال الأفريقي الحالي 33 لاعبًا، بينهم 19 لاعبًا محترفًا من مختلف الدول مقابل 14 لاعبًا وطنيًا. وهذه النسبة الكبيرة من المحترفين تفرض أن تكون الإضافة الفنية واضحة ومباشرة؛ فليس من المنطق أن يأتي محترف أجنبي لشغل خانة من خانات الملعب ثم لا يكون أفضل من اللاعب الوطني المتاح في المركز نفسه، أو ينتهي به الأمر على مقاعد البدلاء. المحترف يجب أن يأتي لأنه يرفع مستوى الخانة ويمنح الفريق جودة أو خصائص لا تتوافر محليًا، وإلا فإن التعاقد معه يفقد جزءًا كبيرًا من مبرره الفني.
وهذا لا ينتقص من قيمة اللاعب الوطني؛ فإذا كان أفضل فمن الطبيعي أن يلعب. لكنه يطرح سؤالًا مباشرًا عن دقة الاختيار. ومع وجود 19 محترفًا، ينبغي أن يكون عدد معتبر منهم عناصر أساسية ومؤثرة، بينما يخصص جزء من القائمة للمواهب الوطنية والأجنبية صغيرة السن القابلة للتطور والاستثمار.
الهلال يحتاج إلى محترفين يصنعون الفارق اليوم، ومواهب تصنع الفارق غدًا، لا إلى تكديس أسماء متشابهة في المستوى والخصائص.
الطموح القاري هو الذي يحدد نوعية اللاعب
اختيار اللاعبين يجب أن يبدأ من هدف النادي. فإذا كان مشروع الهلال هو الفوز بدوري أبطال أفريقيا، والتقدم في التصنيف، ثم الوصول إلى كأس العالم للأندية ممثلًا للقارة، فلا يجوز أن تكون معايير الاختيار محلية فقط. يجب تقييم اللاعب وفق المستوى الذي سيواجهه الهلال في المراحل الحاسمة أفريقيًا: هل يستطيع المدافع التعامل مع السرعة والقوة والمساحات؟ هل يستطيع لاعب الوسط اللعب تحت الضغط والخروج بالكرة؟ هل يملك الجناح القدرة على حسم المواجهة الفردية؟ وهل يستطيع المهاجم تحويل أنصاف الفرص إلى أهداف؟ فالطموح القاري يحتاج إلى استقطاب بمعايير قارية.
من أفضل لاعب إلى اللاعب الأنسب
هنا تأتي أهمية الاختيار العلمي. كرة القدم الحديثة لا ينبغي أن تعتمد على مقطع فيديو أو توصية وكيل أو انطباع شخصي. البداية تكون بتحديد احتياجات الفريق ثم المواصفات الدقيقة لكل مركز، وبعدها استخدام المشاهدة والتحليل والبيانات للوصول إلى قائمة مختصرة. فإذا طلب زينباور لاعب وسط، لا يكفي البحث عن «لاعب وسط جيد». المطلوب تحديد الدور: هل هو ارتكاز لاستعادة الكرة؟ أم لاعب يكسر خطوط الضغط بالتمرير؟ أم Box-to-Box؟ وما مستوى سرعته وضغطه وتصرفه تحت الضغط وقدرته على تنفيذ الدور التكتيكي؟ وينطبق الأمر نفسه الجزء الثاني
إدارة Scouting ومدير رياضي محترف
يحتاج الهلال إلى إدارة فنية دائمة للاستكشاف والتعاقدات (Scouting & Recruitment) تعمل طوال الموسم، وتبني قاعدة بيانات للمراكز التي قد يحتاج إليها الفريق. فإذا احتاج الهلال إلى مهاجم، لا يبدأ البحث قبل إغلاق السوق بأسابيع، بل تكون هناك قائمة مختصرة من لاعبين تمت متابعتهم لشهور بتقارير فنية وإحصائية وبدنية.
ويجب أن تبدأ شبكة الاستكشاف من السوق السوداني لاكتشاف أفضل المواهب الوطنية، ثم تمتد إلى الأسواق الأفريقية والخارجية. فالتنقيب عن المواهب الوطنية يجب أن يكون مشروعًا قائمًا بذاته، لأن المشروع طويل الأمد لا يمكن أن يقوم على الشراء الخارجي وحده.
ولنجاح هذه المنظومة يحتاج الهلال إلى مدير رياضي محترف بصلاحيات واضحة يربط الجهاز الفني وإدارة الاستكشاف والإدارة. المعادلة يجب أن تكون واضحة: المدير الفني يحدد الاحتياجات والمواصفات، إدارة الـScouting تبحث وتقترح، المدير الرياضي يقود العملية، والمدرب يوافق على الاختيار النهائي.
لا محترف دون موافقة المدرب
يجب أن تصبح قاعدة ثابتة في الهلال: لا يتم التعاقد مع محترف للفريق الأول دون طلب أو موافقة المدير الفني. ليس مطلوبًا من المدرب أن يكتشف اللاعب بنفسه؛ فهذا دور إدارة الاستكشاف والمدير الرياضي، لكن من غير المنطقي استثمار أموال كبيرة في لاعب لا يتوافق مع فلسفته ثم مطالبته بالنتائج. ومن هنا تأتي أهمية تمسك زينباور بالمواصفات التي يريدها. فإذا اختار الهلال مدربًا ومنحه مسؤولية المشروع الفني، فعليه أن يوفر له الأدوات المناسبة ثم يحاسبه على النتائج، بدل أن يتم اختيار المدرب واللاعبين في مسارين منفصلين.
البيانات أداة.. وجودة الكشف هي المعيار
المنهج العلمي لا يعني تحويل كرة القدم إلى أرقام فقط. البيانات تساعد في تقليص دائرة البحث عبر مؤشرات تناسب كل مركز: دقائق اللعب، الإصابات، السرعة، الالتحامات، التمرير تحت الضغط، صناعة الفرص، استعادة الكرة والمواجهات الفردية. ثم تأتي المشاهدة الكاملة للمباريات، ودراسة شخصية اللاعب واحترافيته وقدرته على التأقلم وتاريخه البدني وعمره وقيمته وإمكانية إعادة بيعه. وفي النهاية، الهلال لا يحتاج إلى قائمة كبيرة لمجرد كثرة الخيارات، بل إلى قائمة يعرف الجهاز الفني لماذا يوجد كل لاعب فيها. ومع وجود 19 محترفًا في الكشف الأفريقي الحالي، يجب أن تظهر قيمة هذا الاستثمار في الملعب، مع توازن بين لاعبين جاهزين للفوز الآن ومواهب صغيرة السن يتم إعدادها للمستقبل.
من سوق انتقالات إلى مشروع رياضي
مباراتا الأهلي طرابلس كشفتا بعض أوجه النقص، لكن القيمة الحقيقية ستكون في طريقة التعامل مع التشخيص. الحل ليس إضافة أسماء جديدة إلى كشف ممتلئ، بل بناء منظومة تعرف ماذا تريد، ولماذا تريده، وأين تجده، وكيف تقيس نجاحه بعد التعاقد معه. إذا كان هدف الهلال هو أفريقيا ثم كأس العالم للأندية، فلا بد أن تكون منظومة صناعة الفريق بحجم هذا الطموح: مدير فني يعرف احتياجاته ويتمسك بها، مدير رياضي محترف، إدارة Scouting تعمل طوال العام، تحليل بيانات ومشاهدة فنية حقيقية، وإدارة تحمي المنظومة من القرارات العشوائية. عندها لن يكون السؤال: كم لاعبًا تعاقد معه الهلال؟ بل: كم مشكلة فنية حلها؟ وكم لاعبًا صنع الفارق؟ وكم موهبة استثمر فيها للمستقبل؟ فالفرق التي تريد البطولات لا تبني قوائمها بكثرة الأسماء، وإنما بدقة الاختيار.على قلب الدفاع والظهير والجناح والمهاجم. بهذه الطريقة يتحول التعاقد من البحث عن اسم إلى البحث عن مواصفات.